أبو الليث السمرقندي
635
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 45 إلى 46 ] اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ ( 45 ) وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 46 ) قوله عز وجل : اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ يعني : اقرأ عليهم ما أنزل إليك مِنَ الْكِتابِ يعني : من القرآن . ويقال : هو أمره بتلاوة القرآن ، يعني : اقرءوا القرآن ، واعملوا بما فيه . وَأَقِمِ الصَّلاةَ يعني : وأتمّ الصلاة إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ يعني : ما دام العبد يصلي للّه عز وجل انتهى عن الفحشاء والمعاصي . ويقال : وَأَقِمِ الصَّلاةَ يعني : وأدّ الصلاة الفريضة في مواقيتها بركوعها وسجودها والتضرع بعدها إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ يعني : إذا صلى العبد للّه صلاة خاشع يمنعه من المعاصي ، لأنه يرق قلبه ، فلا يميل إلى المعاصي . وروى أبو أمامة الباهلي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده صلاته عند اللّه إلّا مقتا » وروي عن الحسن البصري رحمه اللّه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من لم تنهه صلاته عن فحشاء ولا منكر لم يزدد بها من اللّه إلّا بعدا » « 1 » وقال الحسن : « إذا لم تنته بصلاتك عن الفحشاء فلست بمصلّ . ثم قال : وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ يعني : أفضل من سائر العبادات . وروي عن الحسن البصري رحمه اللّه أنه قال : قراءة القرآن في غير الصلاة أفضل من صلاة لا يكون فيها كثير القراءة ، ثم قرأ هذه الآية وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ قال مقاتل : ولذكر اللّه إياك أفضل من ذكرك إياه بالصلاة ، وقال الكلبي : يقول : ذكره إياكم بالخير أكبر من ذكركم إياه ، واللّه يذكر من ذكره بالخير . قال أبو الليث رحمه اللّه : حدثنا الخليل بن أحمد ، قال : حدثنا الماسرخسي قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا جرير ، عن عطاء بن السائب ، عن عبد اللّه بن ربيعة ، قال سألني ابن عباس عن قوله : وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ فقلت : « هو التسبيح والتهليل والتقديس » ، فقال : « لقد قلت شيئا عجيبا ، وإنما هو ذكر اللّه العباد أكثر من ذكر العباد إياه » . وقال قتادة : وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ أي : ليس شيء أفضل من ذكر اللّه . وسئل سلمان الفارسي : أي العمل أفضل ؟ قال : « ذكر اللّه » . ويقال : ذكر اللّه أفضل من الاشتغال بغيره . ويقال : ذكر اللّه حين كتبكم في اللوح المحفوظ من المسلمين أفضل . ويقال : ذكر اللّه عز وجل بالمغفرة أفضل من ذكرك إياه . وروى أبو هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من ذكر اللّه في نفسه ذكره اللّه في نفسه ، ومن ذكره في ملإ ذكره اللّه عزّ وجلّ
--> ( 1 ) عزاه السيوطي : 6 / 465 إلى عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي .